BINA

Loading

مايو 14, 2026

يواجه الاقتصاد الليبي تحديات بالجملة نتيجة التقلبات الجيوسياسية التي يشهدها العالم ، ذلك انه اقتصاد ريعي يعتمد بشكل شبه كلي على قطاع النفط والغاز مما يجعله شديد الحساسية أمام  التوترات الحاصلة خاصة في منطقة الشرق الاوسط ،الأمر الذي ينعكس بالضرورة  على أسعار الطاقة العالمية ، وبالتالي على المبادلات الطاقية الليبية مع العالم ، حيث يعدالنفط المصدر الأساسي للدخل الليبي بنحو 90 بالمائة من إجمالي الصادرات وقرابة 75 بالمائة من إيرادات الدولة.

ومع تواتر الأخبار حول ما يصفه الفرقاء السياسيين في ليبيا ب”إدارة الانقسام”، وما نتج عنه من خلل في المجال الاقتصادي بسبب الصراع بين حكومتين على السلطة في البلاد، واحدة في شرق ليبيا ومقرها مدينة بنغازي والثانية في الغرب ومقرها العاصمة طرابلس، تتجلى بوادر انفراج في دولة تعد صاحبة أكبر احتياطات نفطية في القارة الإفريقية ، وذات أرصدة استثمارية تصل إلى نحو 100 مليار دولار ، عبر السعي لتوحيد المؤسسة المالية (ميزانية واحدة) وتنظيم السوق المحلية، وتحسين الأوضاع المعيشية لقرابة  5ر7 مليون نسمة.

يقول الخبير الاقتصادي الليبي ومدير عام برنامج بناء الدولي للتنمية المستدامة مصطفى الساقزلي في حديث خاص لإفريقيا نيوز أنفو، أن“ أمام الإقتصاد الليبي فرصة حقيقية للتعافي بعد سنوات من الإنقسام والفساد،عبر إرساء بيئة ملائمة لدعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة والناشئة، وتعزيز القطاع الخاص من خلال التشجيع على ريادة الأعمال  بهدف تنويع الاقتصاد، والتقليل من الإعتماد على قطاع النفط ، وخاصة توفير فرص عمل خارج القطاع الحكومي، من أجل إرساء مقومات تنمية شاملة ومستدامة تعود بالنفع على البلاد وتعزز النماء والإزدهار “.

ويضيف الساقزلي أن“ العمل قائم من خلال برنامج بناء الدولي للتنمية المستدامة، للوصول لأكبر عدد ممكن من الشباب تحديدا لحثه على المبادرات الخاصة، ضمن آليات تتم مناقشتها مع المؤسسات الحكومية والمالية المعنية بالاقتصاد والتنمية، لمواكبة متطلبات سوق الشغل وتعزيز القدرات الابداعيةللباحثين عن فرص التميز والابتكار في مختلف المجالات، بما يفتح أمام فئات واسعة من الليبيين آفاقا طموحة تمكنهم من تحقيق أهدافهم وإنجاح مشاريعهم الاقتصادية بما يساهم بفاعلية في مسارات التنمية بالبلاد”.

واعتبر مصطفى الساقزلي أن ليبيا باعتبارها دولة ريعية ينحصر دخلها على إيرادات النفط والغاز، في حاجة الى اقتصاد متنوع يحد من استنزاف  إيراداتها في رواتب الموظفين ، مشيرا إلى أن تقديرات الجهات الرسمية لسنة 2014 تبين أن أكثر من 30 بالمائة من عدد السكان أي ما يقارب 5ر2 مليون موظف يتقاضون رواتبهم من خزينة الدولة، بينما المعدلات العالمية لنسبة عدد الموظفين حسب عدد السكان تتراوح بين 4 و10 بالمائة.

وتفيد تقارير المصرف المركزي الليبي لسنة 2024 أن 1ر88 بالمائة من دخل البلاد من النفط ذهب لتامين رواتب الموظفين الحكوميين، حيث بلغت رواتب القطاع العام  لسنة 2024 ما قيمته 6ر67 مليار دينار، في حين أن إيرادات النفط لنفس السنة بلغت  7ر76 مليار دينار ، رغم أن جل الوظائف الحكومية غير إنتاجية، ولا تضيف للإقتصاد الليبي شيئا ، كما أنها لا تخدم قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية والنقل والصناعة والزراعة غيرها من المجالات الحيوية ، بما يستوجب التركيز على المؤسسات الصغرى والمتوسطة لتطويرها خدمة للمجتمع .

هيكلة جديدة للاقتصاد الليبي تشجع القطاع الخاص وتقاوم الفساد

ويبدو أن التوسع في الإنفاق الحكومي وانتشار الفساد المالي والإداري  اصبح بالنسبة لعدد من المؤسسات الليبية احد أهم عوائق تقدم الإقتصاد الليبي .

وكانت النتيجة ان اصبحت  ليبيا تحتل المرتبة 92 عالميا في مؤشر التنمية البشرية وفق بيانات نهاية سنة 2022، وهي تعتبر من الدول الأقل تكلفة للمعيشة عربيا عام 2025 .

ويرى الخبير الاقتصادي الليبي مصطفى الساقزلي في هذا الصدد ، أن التقارير الدولية تؤكد أن ليبيا تعد من أسوأ عشر دول في العالم على مستوى مؤشر الفساد  للسنة الحالية،  وهي في حاجة إلى إرادة سياسية لتحفيز الاقتصاد الليبي وتنويع مصادره ، والاستغلال الأمثل لموارد الدولة مع محاسبة الأطراف التي تقوم بنهب الثروات .

ويرى الساقزلي في ذات السياق أنه ” لابد من إعادة هيكلة الإقتصاد الليبي وتعزيز البيئة الحاضنة للمؤسسات الصغرى والمتوسطة والناشئة عبر إرساء منظومة من القوانين والتشريعات المحفزة لأصحاب المشاريع الخاصة تشمل الحوافز والتشجيعات ، مع نشر ثقافة ريادة الأعمال في المناهج التعليمية  بمختلف مراحلها ، والعمل على إحداث المناطق الصناعية والتكنولوجية والمناطق الخاصة بالمؤسسات التدريبية وبمراكز تطوير الأعمال حتى تكون حاضنة للمشاريع، فضلا عن التوجه للشباب لنشر ثقافة المبادرة والعمل الخاص، وغيرها من المنظومات التي من شأنها أن تساعد الإقتصاد الليبي على الخروج من بوتقة الاقتصاد الريعي والانفاق الحكومي المبالغ فيه إلى إقتصاد قادرعلى تحقيق التنمية المستدامة .”

ويضيف الساقزلي أن تحقيق النهضة الاقتصادية وإرساء مقومات نظام اقتصادي حقيقي ومنظومة مالية عادلة وشاملة في حاجة الى آليات تمويل للمشاريع الصغرى والمتوسطة، والمصارف الليبية في مختلف المناطق يمكنها أن تلعب دورا محوريا في إنجاح منظومة القطاع الخاص واستدامة المؤسسات الصغرى والمتوسطة عبر تمويلها للمشاريع الخاصة على غرار ما تفعله المؤسسات المالية في العديد من الدول مثل المملكة العربية السعودية وتركيا وتونس ، مع تمكين أصحاب المشاريع من تمويلات تمكنهم من السير قدما لإنجاز مشاريعهم الاقتصادية بكل سهولة ويسر، بما يحقق القفزة النوعية في مجالات اقتصادية ذات قيمة مضافة ومردودية عالية حتى تكون خير سند للقطاع العام، وتحسن من الطاقة التشغيلية للفئات العمرية المختلفة.

برنامج بناء الدولي للتنمية المستدامة ..من أجل إقتصاد ليبي متنوع وفعال

ويعتبر محدثنا أن برنامج بناء الدولي للتنمية المستدامة الذي يديره يعمل في اتجاه إرساء المنظومة البيئية لريادة الاعمال والمشاريع الصغرى التي تشكل قاعدة القطاع الخاص، حيث تم منذ سنة 2017  تدريب آلاف الشباب وتأهيلهم لبعث المشاريع والترويج لمنتجاتهم بالأسواق الداخلية والخارجية ، مع المساعدة للحصول على التمويلات اللازمة من البنوك والمؤسسات المالية،الى جانب تدريب موظفي المصارف لحثهم على تمويل المشاريع الصغرى وتذليل الصعوبات والمخاطر المرتبطة بها.

وقد تم الى حد الآن دعم اكثر من 2000 مؤسسة صغرى ومتوسطة لتمكينها من ولوج الأسواق وتشغيل اكبر عدد ممكن من اليد العاملة ، ومساعدة العديد من المنتسبين للفصائل المسلحة على الإندماج في المجتمع وبناء قدراتهم المهنية في مجالات مختلفة ضمن برامج محددة وذات أهداف واضحة.

وختم مصطفى الساقزلي حديثه مع افريقيا نيوز انفو بالقول ، ان الوضع السياسي والاقتصادي في ليبيا بصدد التحسن حيث تشهد ليبيا نوعا من الاستقرار يترجم عبر المبادرات التي تطلقها المؤسسات الليبية المختلفة الحكومية والخاصة لدعم الاقتصاد وتعزيز التشغيلية فضلا عن الدعم الدولي الذي تحضى به البلاد في المجال التنموي ويساهم بشكل فعال في تحسين القدرات المهنية والتشغيلية في مجالات عدة مثل الزراعة والتكنولوجيا والخدمات.